المقريزي
77
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
( فمن أخبارها ) ما ذكره يحيى بن بكير قال : كان عبد العزيز بن مروان ، عاملا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان ، فأتاه رجل متنصح فسأله عن نصحه فقال : بالقبة الفلانية كنز عظيم . قال عبد العزيز : وما مصداق ذلك . قال : هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر . ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من الصفر تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا ، وجناحاه مضرجان بالياقوت ، والزمرد « 1 » ورأسه على صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود ، فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه . وكان هناك تل عظيم ، فاحتفروا حفيرة عظيمة في الأرض ، والدلائل المقدّم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك ، وأوسع في النفقة وأكثر من الرجالة ، ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك ، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم . لما في عينيه من الياقوت ، ثم بان جناحاه ، ثم بانت قوائمه ، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع الحجارة ، والرخام وقناطر مقنطرة ، وطاقات على أبواب معقودة ، ولاحت منها تماثيل ، وصور أشخاص من أنواع الصور الذهب وأجرنة من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها ، وسبكت . فركب عبد العزيز بن مروان ، حتى أشرف على الموضع ، فنظر إلى ما ظهر من ذلك فأسرع بعضهم ، ووضع قدمه على درجة من نحاس ينتهي إلى ما هناك ، فلما استقرّت قدماه على المرقاة ظهر سيفان عاديان عن يمين الدرجة ، وشمالها فالتقيا على الرجل فلم يدرك حتى جزآه قطعا وهوى جسمه سفلا . فلما استقرّ جسمه على بعض الدرج اهتز العمود ، وصفر الديك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك ، وحرّك جناحيه ، وظهرت من تحته أصوات عجيبة ، قد عملت بالكواكب والحركات إذا مال وقع على بعض تلك الدرج شيء أو ماسها شيء انقلبت فتهاوى من هناك من الرجال إلى أسفل تلك الحفرة ، وكان فيها ممن يحفر ويعمل وينقل التراب ، وينظر ويحوّل ويأمر وينهي نحو ألف رجل . فهلكوا جميعا ، فخرج عبد العزيز وقال : هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النيل نعوذ بالله منه وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من هناك من التراب على من هلك من الناس . فكان الموضع قبرا لهم . قال المسعودي : وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن قد اعتنى وأغرى بحفر الحفائر ، وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر ، قد وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السالفة فيه وصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام بأن فيه مطلبا عجيبا ، فأخبروا الإخشيد محمد بن طفج « 2 » بذلك
--> ( 1 ) الزمرد : ضرب من معدن / البريل / أخضر اللون يوجد في صخور الرخام وأشهر مناجمه في جنوب مصر . النجوم الزاهرة ج 1 / 55 . ( 2 ) هو محمد بن طغج بن جف الفرغاني التركي ولد سنة 268 ه ببغداد ثم ولي إمرة مصر بعد موت تكين منم قبل القاهر بالله . توفي سنة 334 ه .